جامعة السودان المفتوحة في يوبيلها الفضي: ربع قرن من إتاحة التعليم وتحديات المستقبل
بروفيسور بله احمد بلال

في أبريل 2027، تبلغ جامعة السودان المفتوحة عامها الخامس والعشرين، لتقف أمام محطة مهمة في مسيرتها التعليمية والمؤسسية محطة لا تستعيد فيها الجامعة سنوات مضت فحسب وإنما تتأمل تجربتها وتقرأ ما حققته وما واجهته من تحديات وما ينتظرها في مرحلة جديدة من تاريخ التعليم السوداني.
فاليوبيل الفضي للجامعة يأتي في ظرف استثنائي يمر به السودان، بعد حرب ألحقت أضرارا” واسعة بالمؤسسات التعليمية، وفرضت على الجامعات البحث عن وسائل جديدة لاستمرار التعليم والعمل الأكاديمي والإداري. ومن هنا، فإن المناسبة تكتسب معنى يتجاوز الاحتفال بمرور خمسة وعشرين عامًا، لتصبح فرصة للنظر في تجربة جامعة قامت منذ نشأتها على فكرة إتاحة التعليم أمام شرائح لا تتناسب ظروفها دائمًا مع أنماط التعليم المقيم.
وقد ارتبطت فلسفة التعليم المفتوح بمرونة المكان والزمان والوسائط التعليمية وبإتاحة فرص التعلم المستمر والاستفادة من الموارد المطبوعة والإلكترونية ومراكز الدراسة والامتحانات. وهي مقومات جعلت هذا النمط من التعليم قادرا” على الوصول إلى فئات متنوعة من المجتمع، مع بقاء الجودة الأكاديمية وكفاءة الإدارة وتكافؤ فرص الوصول إلى الموارد شروطا” أساسية لنجاح التجربة.
لكن مسيرة الجامعة لا يمكن فصلها عن التحولات التي شهدها السودان. فقد جاءت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لتضع المؤسسات التعليمية أمام اختبار صعب، طال المرافق والأصول والوثائق والبنية التقنية، وأثر في أوضاع الطلاب والعاملين، وفرض البحث عن بدائل تضمن استمرار العملية التعليمية.
وفي هذه المرحلة، أصبحت تجربة جامعة السودان المفتوحة جديرة بالتوثيق والدراسة؛ ليس بسبب ما تعرضت له من أضرار وخسائر فحسب، وإنما بسبب ما أظهرته الأزمة من أهمية المرونة المؤسسية وتعدد مواقع العمل، والاستفادة من التقنيات الرقمية، والبحث عن وسائل بديلة لاستمرار الوظائف الأكاديمية والإدارية.
لقد كشفت الحرب، بصورة أكثر وضوحا”، أن حماية الجامعة لا ترتبط بالمباني وحدها. فالسجلات الأكاديمية، والوثائق، والمكتبات، والبيانات، والمحتوى التعليمي، والخبرة البشرية، كلها أصول مؤسسية لا تقل أهمية عن المنشآت المادية. ولذلك تبرز الحاجة إلى تعدد مواقع حفظ البيانات والوثائق، وتأمين السجلات الأكاديمية، وتوفير نسخ رقمية آمنة وتطوير بدائل الاتصال والطاقة، ووضع خطط واضحة لاستمرارية العمل في حالات الطوارئ.
ومن هنا يمكن أن يكون اليوبيل الفضي مناسبة لإطلاق مشروع متكامل لحفظ الذاكرة المؤسسية للجامعة؛ مشروع يجمع الوثائق والقرارات والصور والشهادات والبحوث والإحصاءات ويوثق مسيرة البرامج والمراكز وأعضاء هيئة التدريس والعاملين والخريجين. ويمكن أن يمتد هذا المشروع إلى تحديث المستودع الرقمي لحفظ المعرفة ويتيحها وفق ضوابط واضحة للملكية الفكرية والخصوصية والصلاحيات.
أما المستقبل الأكاديمي، فيحتاج إلى قراءة متأنية للتحولات التي فرضتها الظروف الجديدة على المجتمع السوداني وسوق العمل. وتبرز في هذا السياق مجالات إعداد المعلمين والإدارة، والتحول الرقمي والحوكمة وريادة الأعمال وإدارة الأزمات والتنمية، إلى جانب تطوير التعليم المستمر وخدمة المجتمع. غير أن تطوير البرامج ينبغي أن يستند إلى دراسات موثقة لاحتياجات المجتمع وسوق العمل وإلى معايير الجودة والاعتماد مع المحافظة على طبيعة التعليم المفتوح القائم على المرونة والشمول.
والتعافي المؤسسي بدوره لا ينبغي أن يُختزل في إعادة صيانة المباني واستعادة المكاتب والتجهيزات. فإعادة البناء الحقيقي تشمل النظم الإدارية والأكاديمية واستعادة الوثائق والبيانات وتطوير المكتبات والموارد التعليمية، ورفع قدرات العاملين وتحسين الخدمات المقدمة للطلاب في مواقعهم المختلفة.
وبذلك يمكن لليوبيل الفضي أن يتحول من مناسبة زمنية إلى مشروع مؤسسي ممتد؛ مشروع يجمع بين الذاكرة والتوثيق والتقييم والتخطيط. فالمطلوب ليس فقط أن تتذكر الجامعة ما كانت عليه، وإنما أن تحول تجربتها المتراكمة إلى معرفة تساعدها على تحديد أولويات المرحلة المقبلة.
إن خمسة وعشرين عامًا من عمر جامعة السودان المفتوحة تمثل حصيلة جهود متراكمة شارك فيها مؤسسون وقيادات أكاديمية وإدارية وأعضاء هيئة تدريس وعاملون وطلاب وخريجون وشركاء. وتوثيق هذه المسيرة هو، في جوهره، توثيق لجانب من تاريخ التعليم العالي في السودان، ولتجربة سعت إلى توسيع فرص الوصول إلى التعليم والمعرفة.
ولذلك فإن قيمة اليوبيل الفضي لن تقاس بعدد الفعاليات التي تقام خلال أبريل 2027، وإنما بما تتركه المناسبة من أثر مستدام: تاريخ موثق، وذاكرة مؤسسية محفوظة ومعرفة متاحة ودروس مستخلصة من سنوات الحرب ورؤية عملية لتطوير الجامعة خلال السنوات المقبلة.
إن الاحتفاء بربع قرن من مسيرة جامعة السودان المفتوحة هو، في الوقت نفسه، وفاء للماضي ومسؤولية تجاه المستقبل؛ تقدير لكل من أسهم في بناء المؤسسة واستمرار رسالتها، وفرصة لإعادة التفكير في دور التعليم المفتوح والتعليم عن بُعد في السودان، وقدرتهما على الإسهام في بناء مجتمع أكثر قدرة على التعلم والتكيف ومواجهة الأزمات.
وفي أبريل 2027، لا تقف الجامعة عند حدود الاحتفال بمرور خمسة وعشرين عامًا، بل تفتح صفحة جديدة من تاريخها؛ صفحة يكون فيها ما حفظته من تجربتها أساسًا لما ستبنيه في المستقبل، وتكون فيها رسالتها في إتاحة التعليم والمعرفة أكثر ارتباطًا بحاجات السودان وتحدياته وآمال أجياله القادمة.

